الموضوعية وعِلم النفس:
العقل بوصفه ملكة عقلانية
🧠
مقدمة
غالبًا ما تصوّر السيكولوجيا الحديثة العقل البشري بوصفه هشًّا، تحرّكه قوى لاواعية، أو صدمات، أو تكييف اجتماعي.
ويُعامَل الفرد كمريض يجب “إدارته”،
أو كضحية يجب تفسيرها،
أو كحزمة من الغرائز ينبغي تنظيمها.
ترفض الموضوعية هذا الإطار من جذوره.
فالعقل البشري ليس ساحة معركة سلبية.
إنه ملكة عقلانية فاعلة — قادرة على الاختيار، وتوجيه الذات، وفهم الواقع.
🔍
الوعي ليس آليًا
تبدأ الموضوعية بتمييز حاسم:
يولد الإنسان بقابلية التفكير — لا بمعرفة تلقائية.
الوعي إرادي.
والتفكير اختيار.
هذا المبدأ، المطوَّر في
الأسس الفلسفية للموضوعية،
يقف على النقيض مباشرةً من النماذج الحتمية في علم النفس.
عقلك لا يعمل على “الطيار الآلي”.
أنت تختار أن تركّز،
أو أن تتهرّب،
أو أن تفكّر بوضوح.
🧩
العقل مقابل الحتمية
تختزل مدارس نفسية كثيرة السلوك الإنساني إلى قوى خارجة عن سيطرة الفرد:
• صدمات الطفولة
• التكييف الاجتماعي
• الدوافع البيولوجية
• السرديات الجماعية
لا تنكر الموضوعية وجود التأثير —
لكنها ترفض الحتمية.
التأثير ليس قدرًا.
والسياق ليس إكراهًا.
يبقى الكائن العقلاني قادرًا على التقييم، والحكم، واختيار استجاباته.
من دون إرادة حرة، ينهار علم النفس إلى تبرير الأعذار.
ومع الإرادة الحرة، تصبح المسؤولية ممكنة.
⚖️
الصحة النفسية والمسؤولية الأخلاقية
لا تتعامل الموضوعية مع الأخلاق بوصفها ضغطًا نفسيًا.
بل تراها دليلًا للحياة.
لا تتحقق الصحة النفسية بإلغاء المعايير —
بل بمواءمة القيم مع الواقع.
كثيرًا ما تنشأ مشاعر الذنب المزمنة، والقلق، والصراع الداخلي
حين يقبل الإنسان مقدمات لاعقلانية:
ذنبًا غير مُستحق،
أو التضحية بالنفس كفضيلة،
أو الطاعة لتوقعات الجماعة.
لا يمكن لعلم نفس منفصل عن الأخلاق أن يشفي العقل.
أما علم النفس المؤسَّس على قيم عقلانية فيستطيع.
🪞
تقدير الذات: إنجاز معرفي
تعرّف الموضوعية تقدير الذات بدقة:
الثقة بقدرة المرء على التفكير وعلى العيش.
ليس حبًّا للذات بلا سبب.
ولا “توكيدات” بلا دليل.
ولا قيمة مستمدة من تصديق الآخرين.
يُكتسب تقدير الذات عبر الفعل العقلاني،
والإنجاز المنتج،
والنزاهة الفكرية.
هذا التصور يناقض مباشرةً النماذج العلاجية
التي تبحث عن القيمة الذاتية عبر القبول غير المشروط أو الطمأنة العاطفية.
لا يمكن شفاء العقل بالأكاذيب —
بل بالحقيقة وحدها.
🧭
العواطف نتائج، لا أوامر
تأخذ الموضوعية العواطف بجدية — لكن دون غموض صوفي.
العواطف ليست أدوات معرفة.
ولا تكشف الحقيقة.
إنها تعكس أحكامًا قيمية تم تبنّيها مسبقًا.
الخوف، أو القلق، أو الرغبة إشارات —
لا سلطات.
علم نفس يعامل العواطف كأوامر
يدرّب على التبعية.
وعلم نفس يعلّم تفسيرها تفسيرًا عقلانيًا
يعيد السيطرة إلى العقل.
🏗️
علم النفس والحياة المنتِجة
في الموضوعية، غاية الصحة النفسية
ليست “التكيّف” مع المجتمع —
بل القدرة على العيش بصورة منتِجة.
العمل، والخلق، والإنجاز ليست مصادر ضغط افتراضيًا.
إنها تعبير عن عقل يعمل كما ينبغي.
علم نفس يعادي الطموح
أو يشكّ في التميز
ينتهي حتمًا إلى الركود.
أما علم النفس العقلاني فيعترف بأن الهدف المنتج
ضروري للرفاه النفسي.
🏛️
خاتمة
لا تختزل الموضوعية العقل إلى صدمة،
أو غريزة،
أو برمجة اجتماعية.
إنها تحدد العقل كما هو:
ملكة عقلانية قادرة على فهم الواقع وتشكيل حياة.
وعندما يُبنى علم النفس على العقل،
يصبح علمًا لإتقان الذات —
لا لتبريرها.
المعيار الموضوعي ليس الراحة العاطفية،
بل الوضوح.
ليس التكيّف،
بل الاستقلال.
وحده علم نفس يحترم العقل
يمكنه أن يحترم العقل البشري احترامًا كاملًا.